السياحة السوداء.. رحلة إلى الجانب المظلم من العالم
السياحة السوداء.. رحلة إلى الجانب المظلم من العالم
إم إيه هوتيلز – خاص
بينما يبحث معظم السياح عن الأماكن الساحرة والمناظر الطبيعية الخلابة، هناك نوع مختلف من المغامرين يفضلون الوجهات التي تحمل قصصًا مظلمة ومآسي إنسانية. يُعرف هذا النوع من السفر بـ “السياحة السوداء”Dark Tourism ، وهو مصطلح يصف زيارة المواقع المرتبطة بالموت، الكوارث، والحروب. هذه الأماكن تثير الفضول وتدفع البعض لاستكشاف الماضي من منظور مختلف، ليس بدافع الترفيه، بل لفهم التاريخ والمآسي التي شكلت العالم.
سنأخذك، عبر السطور المقبلة، في رحلة إلى بعض أشهر المدن المهجورة والمناطق المحظورة، حيث توقف الزمن، وبقيت ذكريات الماضي محفورة في جدرانها المهترئة.
تشيرنوبل – المدينة التي حاصرها الإشعاع
في ليلة السادس والعشرين من أبريل عام 1986، انفجر المفاعل النووي رقم 4 في محطة تشيرنوبل للطاقة، محدثًا كارثة نووية هي الأكبر في التاريخ. أدى الانفجار إلى تسرب إشعاعي هائل غطى مناطق واسعة من أوكرانيا وبيلاروسيا وروسيا، مما أجبر الحكومة السوفيتية على إخلاء مدينة بريبيات القريبة بالكامل، حيث كانت تضم أكثر من 50 ألف شخص. ما زالت المدينة حتى اليوم مهجورة تمامًا، باستثناء العلماء والباحثين الذين يدرسون آثار الإشعاع. المشهد هناك يبدو كأنه متجمد في الزمن، حيث لا تزال المنازل والمدارس والمستشفيات كما هي، مهجورة وكأن سكانها فروا منها في لحظة واحدة.
أصبحت تشيرنوبل وجهة مفضلة لعشاق المغامرات والتاريخ، حيث ينجذب الزوار إلى استكشاف “مدينة الأشباح” والمناطق المحيطة بها، التي استعادت فيها الطبيعة سيطرتها بالكامل. يمكن رؤية الغزلان والذئاب والخيول البرية تتجول بحرية في منطقة كانت يومًا ما محظورة تمامًا على الحياة. على الرغم من انخفاض مستويات الإشعاع بما يسمح بزيارات منظمة، إلا أن التجول في بعض المناطق لا يزال محفوفًا بالمخاطر، حيث يُحظر لمس بعض الهياكل أو البقاء لفترات طويلة. زيارة تشيرنوبل هي تجربة فريدة تتيح للزوار رؤية كيف يمكن لكارثة من صنع الإنسان أن تترك بصمتها لعقود، بل وربما لقرون.
جزيرة هاشيما – مدينة الأشباح اليابانية
في أوج الثورة الصناعية اليابانية، كانت جزيرة هاشيما، المعروفة أيضًا بـ “جزيرة السفينة الحربية” بسبب شكلها، من أكثر الأماكن كثافة سكانية في العالم. كانت الجزيرة موطنًا لمئات العمال الذين عملوا في مناجم الفحم تحت البحر، حيث ساهم إنتاجها في دعم الاقتصاد الياباني. لكن مع نهاية عصر الفحم وتوجه البلاد نحو النفط كمصدر رئيسي للطاقة، تم إغلاق المناجم في عام 1974، وهُجرت الجزيرة بالكامل، تاركة خلفها بنايات أسمنتية متداعية وطرقًا مهجورة وشرفات مهدمة بفعل الرياح العاتية.
اليوم، تعد هاشيما واحدة من أكثر المواقع غرابة في اليابان، حيث تستقطب السياح والباحثين وعشاق التصوير الفوتوغرافي. المشي في شوارع الجزيرة يشبه الدخول إلى مدينة مهجورة من المستقبل، حيث لا تزال آثار الحياة اليومية واضحة، من ناطحات السحاب الإسمنتية المتآكلة إلى المدارس التي ما زالت تحمل آثار الدروس الأخيرة. زادت شهرة الجزيرة بعد ظهورها في فيلم “Skyfall” من سلسلة جيمس بوند، مما جعلها وجهة سياحية أكثر شهرة، لكن لا يزال الوصول إليها خاضعًا للقيود بسبب تدهور بنيتها التحتية.
مدينة كولمانسكوب – أشباح الصحراء
في بدايات القرن العشرين، اكتُشف الألماس في صحراء ناميبيا، مما أدى إلى بناء مدينة كولمانسكوب بسرعة لاستيعاب عمال المناجم الأوروبيين وعائلاتهم. كانت المدينة نموذجًا للمجتمع الراقي، حيث ضمت مستشفيات ومتاجر ومسارح وحتى أول آلة لصنع الثلج في القارة الأفريقية. لكن عندما بدأت رواسب الألماس في النفاد، بدأت المدينة في التراجع، وبحلول خمسينيات القرن الماضي، هجرها سكانها بالكامل، تاركين مبانيها الفاخرة تحت رحمة الرمال الزاحفة.
اليوم، تبدو كولمانسكوب وكأنها مدينة خرجت من فيلم خيال علمي، حيث ابتلعت الرمال المنازل والمحلات التجارية، مما خلق مشاهد غريبة ومذهلة في آنٍ واحد. يمكن للزوار المشي عبر البيوت التي امتلأت غرفها بالكثبان الرملية، أو التقاط صور للمدارس والمستشفيات المهجورة التي تحولت إلى أطلال. المدينة مثال رائع على كيف يمكن للطبيعة أن تستعيد السيطرة على الأرض بعد أن يتركها البشر، وهي أيضًا تذكير بقوة الزمن في محو الحضارات والإنجازات البشرية.
الغرفة 502 في مستشفى ويفرلي هيلز – منزل الأشباح الأمريكي
كان مستشفى ويفرلي هيلز في ولاية كنتاكي الأمريكية واحدًا من أكبر المستشفيات المتخصصة في علاج مرض السل خلال أوائل القرن العشرين، حيث استقبل آلاف المرضى الذين لم يكن لهم علاج فعال آنذاك. مع انتشار المرض، زادت حالات الوفاة داخل المستشفى، لدرجة أنه تم إنشاء “نفق الموت” لنقل الجثث إلى الخارج دون أن يراها المرضى الآخرون، حتى لا يصابوا باليأس. الغرفة 502 داخل المستشفى تُعدّ الأكثر شهرة، حيث قيل إن ممرضة شنقت نفسها فيها بعد تعرضها لفضيحة، وتدور حولها قصص غامضة عن أصوات غريبة وظواهر غير مفسرة.
أصبح المستشفى اليوم واحدًا من أشهر المواقع “المسكونة” في الولايات المتحدة، حيث يجذب الزوار الباحثين عن الإثارة والرعب. تنظم جولات ليلية داخل المبنى، حيث يستمع الزوار إلى حكايات عن الأصوات الغامضة التي تُسمع في الممرات، والأبواب التي تُفتح من تلقاء نفسها. سواء كنت تؤمن بالأشباح أم لا، فإن التجول في أروقة هذا المستشفى المهجور ليلاً هو تجربة تثير القشعريرة وتجعلك تتساءل عن حقيقة العالم المجهول من حولنا.
أوردور سور جلان – مدينة مجمدة في الزمن
في العاشر من يونيو عام 1944، اجتاحت القوات النازية قرية أوردور سور جلان الفرنسية وارتكبت واحدة من أسوأ المجازر في الحرب العالمية الثانية، حيث أعدمت جميع سكانها، بمن فيهم النساء والأطفال، وأحرقت المنازل والمتاجر والمدارس. بعد نهاية الحرب، قررت الحكومة الفرنسية ترك القرية كما هي، لتكون شاهدًا صامتًا على وحشية النازيين ودليلًا على المآسي التي خلفتها الحرب.
اليوم، تبدو القرية وكأنها متحف مفتوح للتاريخ المأساوي، حيث بقيت السيارات الصدئة في أماكنها، وهياكل المنازل المتفحمة لم تمس، حتى ألعاب الأطفال في الساحات ظلت مكانها كما كانت يوم وقوع المجزرة. زيارة أوردور سور جلان تجربة مؤثرة، حيث لا يمكن للمرء إلا أن يشعر بثقل التاريخ وهو يسير بين الأزقة الصامتة، حيث لا تُسمع سوى أصوات الرياح التي تحرك رماد الماضي. القرية ليست مجرد مكان للزيارة، بل هي تذكير دائم بفظائع الحرب، ورسالة إلى الأجيال القادمة حتى لا تتكرر مثل هذه الجرائم مرة أخرى.
هل السياحة السوداء أخلاقية؟
يثير هذا النوع من السياحة نقاشًا أخلاقيًا كبيرًا. هل زيارة هذه المواقع نوع من التثقيف واحترام التاريخ، أم أنها استغلال لمآسي الآخرين؟ في النهاية، يعتمد الأمر على نوايا الزائر، فإذا كانت الرحلة تهدف إلى التعلم وتقدير التضحيات البشرية، فقد تكون وسيلة لفهم العالم بشكل أعمق.
إذا كنت من محبي الغموض والمغامرات غير التقليدية، فإن السياحة السوداء توفر لك فرصة لاكتشاف الأماكن التي تحمل بين جدرانها قصصًا غيرت مجرى التاريخ. لكن، تذكر دائمًا أن تحترم هذه المواقع، وأن تدرك أنها ليست مجرد وجهات ترفيهية، بل شاهدة على لحظات مظلمة من ماضينا.
هل تفكر في زيارة أحد هذه الأماكن؟ وأيها الأكثر إثارة لفضولك؟
اقرأ أيضًا: إقبال أوروبي على فنادق سفاجا مع بدء موسم السياحة العلاجية